"ناتي هابرد"، "وسبوك أنثر"، و"باتريك"، وغيرهم كثير.. أسماء لجنود أمريكيين ينتشرون بكثافة هذه الأيام داخل التجمعات العربية والإسلامية بعالم سكند لايف الإلكتروني الافتراضي الشهير، حيث يدخلون في حوارات ومناقشات مع الزوار العرب والمسلمين، يسعون خلالها إلى تبرير السياسات الأمريكية بالشرق الأوسط.
هذا الأسلوب اعتبره الخبير الإعلامي صفوت العالم "رسالة إعلامية مخطط لها، و أيضا لها أبعاد إقناعية"، غير أنه في الوقت ذاته لم يستبعد "دوافعها الفردية إزاء إحساس الجنود الأمريكيين بالذنب جراء قتلهم للأبرياء".
في جزيرة "حبيبي كلاب" أشهر الجزر العربية في عالم سكند لايف، والتي تستقطب أعدادا كبيرة من العرب، وقف "ناتي هابرد" أحد الجنود الأمريكيين بزيه العسكري ونظارته السوداء بين مجموعة كبيرة من الشباب العربي يتبادل الحديث معهم حول العراق.
وفي محاولة لجذب أطراف الحديث معه قال "هابرد" الذي يتحدث العربية، وبلهجة عراقية متقنة، لمراسل "إسلام أون لاين.نت": "أخدم في الجيش الأمريكي منذ عام 2003، بفرقة المظلات، وعدت منذ شهور قليلة لبلادي بعد أن كونت صداقات عديدة مع العراقيين خصوصا، بعد أن تعلمت اللهجة العراقية".
ويقضي هابرد أوقاتا تتراوح بين 4 إلى 5 ساعات يوميا في جزيرة "حبيبي كلاب"، وهو ما يفسره هابرد بالسعي إلى تكوين صداقات عربية في سكند لايف وتعلم العربية، فضلا عن "توضيح بعض الحقائق"، على حد قوله.
إلا أنه يأسف لعدم نجاحه في مهمته قائلا: "أصدقائي كثير بالعراق، لكن العرب هنا (في عالم سكند لايف) لا يرغبون في صداقتي، ولا أعلم ما السبب".
وبحدة علق "علي نصار" - مصري مقيم في أمريكا كان يقف مستمعا لحديث هابرد - قائلا: "لأنكم قتلة، وتحتلون أرضنا، وتستبيحون دماءنا". ولم يمهله "هابرد" ليكمل وقال مقاطعا: "بل اذهب أنت للعراق لتعلم أن العراقيين أصدقاءنا، وأنهم يرغبون في بقائنا، لكن المشكلة في القنوات التي يشاهدها العرب كقناة الجزيرة".
ويضيف "هابرد" الذي بدا مستعدا لمثل هذه التعليقات: "لم أذهب للعراق من أجل بوش، ولكن للمساعدة في أن يتخلص من العنف، وطوال فترة بقائي في العراق لم أفعل شيئا حراما، لكن ربما ستجد بعض الجنود الأمريكيين سيئين، كما هو الحال مع بعض العراقيين".
وبشأن الانسحاب من العراق قال: "حتما سنعود لأمريكا، لكن عندما ينتهي العنف، وتستطيع الحكومة العراقية والجيش والشرطة أن تدافع عن البلاد".
دفاع مستميت!
إلى عالم سكند لايف توجه أيضا "سبوك أنثر"، جندي أمريكي يخدم حاليا في "القطاع الطبي" بالعراق. وبخلاف "هابرد" يحرص "أنثر" على ارتداء الزي المدني، لكنه في الوقت ذاته لم يخف هويته، حيث ظهرت عبارة "جيش الولايات المتحدة" على قميصه.
وكزميله يتواجد "أنثر" ساعات طويلة في جزر مؤسسة "إسلام أون لاين.نت"، وخصوصا جزيرة تعليم مناسك الحج ليتبادل أطراف الحديث مع الزوار العرب.
وخلال هذه الأحاديث التي يغلب عليها الطابع السياسي، يحرص "أنثر" أيضا على الدفاع بإصرار عن سياسات بلاده في الشرق الأوسط.
ويقول في حوار مع مراسل "إسلام أون لاين.نت": "أمريكا لا تحارب من أجل النفط، ولكن من أجل القضاء على الديكتاتوريات، وعلى القاعدة".
"والدليل - كما يقول أنثر - أن الولايات المتحدة تحاول ابتكار طاقة بديلة تخلصها من احتياجها إلى نفط العرب، وقد تناقلت وسائل الإعلام الأمريكية خبرا عن تشغيل طائرة لمجموعة كيلومترات بتلك الطاقة".
ويحرص الجندي الأمريكي على التأكيد مرارا أنه لا يرغب في تغيير قناعات أحد، لكن يسعى فقط إلى "توضيح الحقيقة".
ولا يحظى التواجد الأمريكي برضا أو قبول لدى قطاعات عربية عديدة في سكند لايف.
وتقول "بتول بوثا"، أستاذة اللغة العربية بجامعة حلب، والتي تعتزم تدريس "العربية" للأجانب بجزيرة "إسلام أون لاين": "قابلت العديد من الأمريكيين في جزيرة (إسلام أون لاين) إما بزي الجنود، أو بالزي المدني، وجميعهم يظهر بصورة العالم الوقور صاحب النظريات العلمية الذي يتحدث بلغة المنطق والعلم".
وتعرب عن اعتقادها أن "هؤلاء مدفوعون لتحسين صورة أمريكا المشوهة بسبب سياساتها في المنطقة، ولا أستبعد أن يكون للمخابرات الأمريكية أو الإسرائيلية دور في ذلك".
وأشارت بتول إلى أنها سألت أحدهم "هل تشعر بتأنيب ضمير يحملك على الزيارة الدائمة لنا؟ فلم يجيب مكتفيا بالقول: إنه جاء ليوضح الحقائق الغائبة".
وبجانب محاولات تبرير السياسات الأمريكية في المنطقة نبهت "بتول" إلى أن هذه العناصر المدفوعة تسعى أيضا إلى "تضخيم حجم وخطورة تنظيم القاعدة في العالم الواقعي والافتراضي، ربما لكسب المزيد من التأييد لسياساتها العالمية في مكافحة الإرهاب".
وخرجت في الآونة الأخيرة العديد من التقارير الإعلامية الغربية التي تدعي انتشار تنظيم القاعدة في سكند لايف.
وذكرت صحيفة صنداي تايمز البريطانية في تقرير سابق لها هذا العام أن "إسلاميين متطرفين" يشتبه في استخدامهم موقع "سكند لايف" لإجراء تحويلات نقدية تستخدم في "أعمال إرهابية" على أرض الواقع.
وإضافة لما سبق هناك أيضا عناصر تظهر في زي إسلامي مثل "باتريك"، وتتكلم في موضوعات مثيرة للجدل، ومحاولة إثارة الفتن بين المسلمين؛ مثل العلاقة بين الشيعة والسنة، بحسب بتول.
وقالت: "لا أستبعد دخول عناصر مخابراتية بزي إسلامي من أجل تشويه صورة الإسلام عبر قيام عناصر مجهولة منهم بسلوك مشبوه في الجزر الإسلامية".
رسالة إعلامية مخططة
من جهته يرى د. صفوت العالم، أستاذ الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة لـ"إسلام أون لاين.نت": أن "التكنولوجيا تعطي كل طرف الفرصة في توظيفها، وما يحدث رسالة إعلامية مخططة لها ، وأيضا لها أبعاد إقناعية". وقال: "نحن أمام ثقافتين.. الأولى الإقناع، والثانية الاستثارة والاستهواء، وهي ما تنسحب على التفكير العربي في استخدام التكنولوجيا".
إلا أن "العالم" أشار إلى أن "تواجد عناصر من الجيش الأمريكي ربما يكون سببه إحساسهم بالذنب جراء ما اقترفته أياديهم من قتل، ورغبتهم في تبرير أفعالهم دون أن يكون لذلك تخطيط مسبق".
وعلى أرض الواقع كانت كارين هيوز المسئولة عن تحسين صورة أمريكا في العالم قدمت استقالتها من منصبها كوكيلة لوزارة الخارجية الأمريكية لشئون الدبلوماسية العامة أواخر العام الماضي.
وبالرغم من أنها عزت الاستقالة لأسباب عائلية، فإنها اعترفت ضمنًا في مقابلة تلفزيونية عقب استقالتها أن تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم يمثل تحديًا طويل الأمد، ويحتاج عدة سنوات لتحقيقه، وهو ما وصفه مراقبون، واستطلاعات الرأي العامة أنه إقرار بهزيمة واشنطن في معركتها الدبلوماسية لتلميع صورتها أمام العالم الإسلامي.
ومؤخرا طفت على سطح "سكند لايف" - وفق صنداي تايمز- ظواهر سلبية أبرزها هجمات إرهابية افتراضية على مبان وأشخاص في هذا العالم، ودمر أحدث هجوم مقر الإذاعة الأسترالية بقنبلة نووية افتراضية.
ويماثل هذا العالم الافتراضي في بنائه شكل الألعاب ثلاثية الأبعاد، ولكن يميزه عنها إمكانات التفاعل والتعارف بين رواده، والبيئة المصممة للتعايش، وإلقاء المحاضرات، والتعليم بجانب الترفيه.